سيد محمد طنطاوي
461
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
( ج ) ثم أمرت السورة الكريمة النبي صلى اللَّه عليه وسلم برعاية الفقراء من أصحابه . ومدحتهم بأنهم يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه . . كما أمرته بأن يجهر بكلمة الحق ، فمن شاء بعد ذلك فليؤمن ومن شاء فليكفر ، فإن اللَّه - تعالى - قد أعد لكل فريق ما يستحقه من ثواب أو عقاب . قال - تعالى - وقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ ، ومَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ ، إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها ، وإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوه بِئْسَ الشَّرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقاً . إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا . ( د ) ثم ضربت السورة الكريمة مثلا للشاكرين والجاحدين ، وصورت بأسلوب بليغ مؤثر تلك المحاورة الرائعة التي دارت بين صاحب الجنتين الغنى المغرور ، وبين صديقه الفقير المؤمن الشكور ، وختمت هذه المحاورة ببيان العاقبة السيئة لهذا الجاهل الجاحد . استمع إلى القرآن وهو يبين ذلك بأسلوبه فيقول : وأُحِيطَ بِثَمَرِه ، فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْه عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ، ويَقُولُ : يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً . ولَمْ تَكُنْ لَه فِئَةٌ يَنْصُرُونَه مِنْ دُونِ اللَّه وما كانَ مُنْتَصِراً . ( ه ) ثم أتبعت السورة هذا المثل للرجلين ، بمثال آخر لزوال الحياة الدنيا وزينتها ، وببيان أحوال الناس يوم القيامة ، وأحوال المجرمين عندما يرون صحائف أعمالهم وقد خلت من كل خير . قال - تعالى - : واضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناه مِنَ السَّماءِ ، فَاخْتَلَطَ بِه نَباتُ الأَرْضِ ، فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوه الرِّياحُ ، وكانَ اللَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ، الْمالُ والْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا ، والْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وخَيْرٌ أَمَلًا . ويَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وتَرَى الأَرْضَ بارِزَةً وحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً . ( و ) وبعد أن ذكرت السورة الكريمة طرفا من قصة آدم وإبليس ، وبينت أن هذا القرآن قد صرف اللَّه فيه للناس من كل مثل ، وحددت وظيفة المرسلين عليهم الصلاة والسلام . بعد كل ذلك ساقت في أكثر من عشرين آية قصة موسى مع الخضر - عليهما السلام - وحكت ما دار بينهما من محاورات . انتهت بأن قال الخضر لموسى : وما فَعَلْتُه عَنْ أَمْرِي ، ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْه صَبْراً . ( ز ) ثم جاءت بعد قصة موسى والخضر - عليهما السلام - قصة ذي القرنين في ست